سيد محمد طنطاوي

14

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم ذكرت السورة بعد ذلك حال المكذبين بيوم القيامة . فوضحت أنهم في هذا اليوم الهائل الشديد ينكرون أنهم كانوا مشركين ولكن هذا الإنكار لن ينفعهم شيئا لأن الذي يخاطبهم هو العليم الخبير . ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا : واللَّه رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ . ثم تمضى الآيات في الحديث عن مشاهد يوم القيامة ، فتصور حسرتهم وندمهم عندما يقفون على النار التي كانوا يكذبون بها في الدنيا ، وعند ما يقفون أمام ربهم الذي كانوا يشركون معه آلهة أخرى فتقول : ولَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْه وإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ وقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ولَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ ، قالَ : أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ ؟ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ . ثم بعد هذا التصوير المؤثر لأحوال المشركين يوم القيامة ، يتركهم القرآن مؤقتا ليوجه خطابه إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم مسليا له ، ومثبتا لقلبه ، وداعيا إياه إلى الصبر على تحمل الرسالة بدون كلل أو ملل ، وإلى التأسي بمن سبقوه من أولى العزم من الرسل . قال تعالى : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّه لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ، فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ولكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّه يَجْحَدُونَ ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّه ، ولَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ . وإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ، ولَوْ شاءَ اللَّه لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ . أما الربع الثالث من السورة الكريمة فقد افتتح ببيان أن الذين يستجيبون لدعوة الحق إنما هم الذين يسمعون ويتعظون وهم الأحياء حقا ، أما من ماتت قلوبهم فصارت لا تتفتح للحق ، ولا تتقبل الهداية فإن مصيرهم إلى اللَّه ، فهو - سبحانه وتعالى - سيجازيهم بسبب جحودهم وعنادهم ومطالبتهم لنبيهم بالمطالب المتعنتة التي لا فائدة من ورائها . قال تعالى : إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ، والْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّه ، ثُمَّ إِلَيْه يُرْجَعُونَ وقالُوا :